الشيخ عبد الغني النابلسي

391

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

لما جرّحه ، أي جرح الخضر عليه السلام به من الكلام في قوله له أوّل ما اجتمع به وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) [ الكهف : 68 ] مع علمه ، أي الخضر عليه السلام بعلو رتبته ، أي موسى عليه السلام عليه بالرسالة وليست تلك الرتبة التي لموسى للخضر عليه السلام وظهر ذلك ، أي الإعلام بأنه على علم لا يعلمه الآخر وبالعكس في هذه الأمة المحمدية ، أي المنسوبة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم في حديث إبار ، أي تلقيح القوم النخل لما مر عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « لو تركوها أصلحت فتركوها فلم تثمر تلك السنة وأخبروه فقال عليه السلام لأصحابه أنتم أعلم ، أي مني بأمور دنياكم » « 1 » فهم على علم لا يعلمه هو كما هو على علم لا يعلموه هم ولا شك أن العلم بالشيء ، أي شيء كان خير من الجهل به ، فعلمهم خير في الجملة من الجهل به ، والأعلمية زيادة علم ، وتلك الزيادة لم تكن للنبي صلى اللّه عليه وسلم فهي علمهم الذي هو خير من الجهل بها ؛ ولهذا ، أي لكون العلم مطلقا صفة كمال مدح اللّه تعالى نفسه بأنه بكل شيء عليم ، فقد اعترف النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا منه صلى اللّه عليه وسلم ، أي أكثر علما مع مشاركته لهم في الأصل فلا يرد أنه صلى اللّه عليه وسلم علم علم الأوّلين والآخرين كما ورد في الحديث لكونه صلى اللّه عليه وسلم لا خبرة له بذلك ، أي بمصالح الدنيا ، وإن كان له بذلك علم فإنه ، أي علم الخبرة علم ذوق وتجربة ، أي حاصل عنها ولم يتفرغ عليه السلام لعلم ذلك بطريق الخبرة والتجربة مثلهم حتى تثبت له الأعلمية به بل كان صلى اللّه عليه وسلم شغله بالأهم فالأهم من أمور الدين والإسلام . * * * فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه . وقوله : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً يريد الخلافة ؛ وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 21 ] يريد الرّسالة : فما كلّ رسول خليفة . فالخليفة صاحب السّيف والعزل والولاية . والرّسول ليس كذلك : إنّما عليه بلاغ ما أرسل به . فإن قاتل عليه وحماه بالسّيف فذلك الخليفة الرّسول . فكما أنّه ما كلّ نبيّ رسولا ، كذلك ما كلّ رسول خليفة أي ما أعطي الملك ولا التّحكّم فيه .

--> ( 1 ) روى نحوه ابن ماجة في السنن ، باب تلقيح النخل ، حديث رقم ( 2471 ) ورواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وإذا أمرتكم بشيء أراد به » . . ، حديث رقم ( 22 ) [ 1 / 201 ] ورواه غيرهما .